ابن عربي

355

مجموعه رسائل ابن عربي

الأعلى في نفسه يدخل الشطر من هؤلاء الملائكة على باب عالم الملكوت بأسرار الظاهر ويمرون على ساحة القلب حتى يخرجوا على باب عالم الشهادة ويدخل الشطر الآخر على باب عالم الشهادة بأسرار الباطن ويخرج على باب عالم الملكوت ثم لا يعودون أبدا بل يأتي اللّه تعالى بشهود أخر بأسرار أخر على ذلك المهيع ليرى اللّه تعالى هذا القلب من آياته وعظيم ملكوته ما يزيد به تعظيما وفي نفسه معرفة فإن ركن إليهم هذا القلب وتأنس بهم واتخذهم جلساء بقوا معه وبقي معهم وهم الشهود عليه بالوقوف معهم إن طمع في نيل مقام أعلى من ذلك فيقال له لم لا ترتفع همتك إلى ذلك وقد تحققت أن بالهمم الوصول ولكنك حجبك التنزه في عالم الملكوت فإن أنكر ولا بد أن ينكر شهدت عليه تلك الملائكة النازلة له بتلك الأسرار وكذلك تشهد عليه أسراره بتعشقه لها وفنائه فيها فشهادة الملائكة خزنة الأسرار نطقية وشهادة الأسرار حالية فهو مقهور بالحجة وللّه الحجة البالغة على كل أحد فتأمل هذا الفصل يا مسكين واعلم أين نظر قلبك من هذه القلوب وأين مشهدك من هذه المشاهد ومشربك من هذه المشارب لقد أحياها وأحيا بها جعلنا اللّه وإياكم ممن طاب مورده وتعالى مشهده . منزل الفاني عن الذكر بالمذكور إعلم يا بني جردك اللّه من كل كون وتكنفك بجناح الغيرة والصون إن القلب الذي تمر عليه هذه الأسرار أسرار الشهداء ويعاين من الملكوتين هذا القدر العظيم إذا عاينها مسخرة تحت مسخرها كنفسه فلا يعرج لها من جهة الوقوف معها ولكن يجعلها كالمعونة لما ألهمه متعلقة به مرتقية إليه فإذا استمر عليه هذا وطلبته الملائكة معها فلم تجده إلّا مشغولا بأعلى من ذلك وعرف الحق صدق ذلك الطالب والتوجه اختطفه على كل كون خارج عنه ثم أوقفه مع أكوانه فذلك حظه ويكون برزخي الموقف فإن لم يقف ونظرها كما نظر الآخرين اختطف عن أكوان نفسه وعن ملاحظة كل كون أصلا وهذا المقام الذي أشار إليه صاحب المواقف وقال لي كل جزء من الكون حجاب فإذا حصل القلب واختلف بالكلية وفني بالمذكور عن الذكر ارتاحت الأسرار لطلبه واشتاق الملأ الأعلى لتسبيحه فضرب بينه وبينهم سبعون ألف حجاب إلهية يقف دونها المشتاقون إليه فإن وقف هنا كان هذا مقامه لا يبرح منه .